الجصاص

417

أحكام القرآن

لا يثبت له على عبده دين صحيح . وعلى قول من يوجب حط بعض الكتابة ينبغي أن يسقط بعد عقد الكتابة ، وذلك خلاف موجب الآية من وجوه ، أحدها : أنه إذا سقط لم يحصل مالا لله قد آتاه المولى ، والثاني : أن ما أتاه فهو الذي يحصل في يده ويمكنه التصرف فيه ، وما سقط عقيب العقد لا يمكنه التصرف فيه ولم يحصل له عليه بل لا يستحق الصفة بأنه من مال الله الذي آتاه إياه . وأيضا لو كان الإيتاء واجبا لكان وجوبه متعلقا بالعقد فيكون العقد هو الموجب له وهو المسقط ، وذلك مستحيل لأنه إذا كان العقد يوجبه وهو بعينه مسقط استحال وجوبه لتنافي الإيجاب والإسقاط . فإن قيل : ليس يمتنع ذلك في الأصول ، لأن الرجل إذا زوج أمته من عبده يجب عليه المهر بالعقد ثم يسقط في الثاني . قيل له : ليس كذلك ، لأنه ليس الموجب له هو المسقط له ، إذ كان الذي يوجبه هو العقد والذي يسقطه هو حصول ملكه للمولى في الثاني فالموجب له غير المسقط ، وكذلك من اشترى أباه فعتق عليه فالموجب للملك هو الشرى والموجب للعتاق حصول الملك مع النسب ولم يكن الموجب له هو المسقط . وقد حكي عن الشافعي أن الكتابة ليست بواجبة وأن يضع عنه بعد الكتابة واجب أقل ما يقع عليه اسم شيء ، ولو مات المولى قبل أن يضع عنه وضع الحاكم عنه أقل ما يقع عليه اسم شيء . قال أبو بكر : فلو كان الحط واجبا لما احتاج أن يضع عنه بل يسقط القدر المستحق ، كمن له على انسان دين ثم صار للمدين عليه مثله أنه يصير قصاصا ، ولو كان كذلك لحصلت الكتابة مجهولة لأن الباقي بعد الحط مجهول ، فيصير بمنزلة من كاتب عبده على ألف درهم إلا شيء وذلك غير جائز . وجملة ذلك أن الإيتاء لو كان فرضا لسقط ، ثم لا يخلو من أن يكون ذلك القدر معلوما أو مجهولا ، فإن كان معلوما فالواجب أن تكون الكتابة بما بقي فيعتق إذا أدى ثلاثة آلاف درهم والكتابة أربعة آلاف درهم ، وذلك فاسد من وجهين ، أحدهما : أنه لا يصح الإشهاد على الكتاب بأربعة آلاف درهم ، ومع ذلك فلا معنى لذكر شيء لا يثبت . وأيضا فإنه يعتق بأقل مما شرط ، وهذا فاسد لأن أداء جميعها مشروط ، فلا يعتق بأداء بعضها . وأيضا فإن الشافعي قال : " المكاتب عبد ما بقي عليه درهم " فالواجب إذا أن لا يسقط شيء ، ولو كان الإيتاء مستحقا لسقط ، وإن كان الإيتاء مجهولا فالواجب أن يسقط ذلك القدر فتبقى الكتابة على مال مجهول . فإن قيل ، روى عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن أنه كاتب غلاما له فترك له ربع مكاتبته وقال : إن عليا كان يأمرنا بذلك ويقول : هو قول الله : ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) . وروي عن مجاهد أنه قال : " تعطيه ربعا من جميع مكاتبته تعجله من